السيد محمد باقر الصدر
565
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
بالإمكان تحقيقها بخبرتي الحسّية خاصّة ؟ أو أنّها تصبح ذا معنى عندي إذا كان بالإمكان تحقيقها بأيّ خبرة حسّية أخرى أيضاً ؟ والافتراض الأوّل يعني أنّ القضية التي لا يمكن لي أن احقّقها بخبرتي الحسّية ، ليس لها معنى بالنسبة لي . فإذا قلت مثلًا : « كان هناك أناس عاشوا وماتوا قبل ولادتي » كان قولي فارغاً من المعنى بالنسبة لي ؛ لأنّ من المستحيل أن أتأكّد من صدقها بخبرتي الخاصّة ، مع أنّها قضية حقيقية وصادقة بدون شكّ . والافتراض الثاني لا يؤدّي إلى تجريد هذا القول عن المعنى ؛ لأنّ إنساناً آخر بإمكانه أن يحقّقه ويثبت بالخبرة الحسّية صدقه أو كذبه ، ولكن خبرة الإنسان الآخر نفسها لا تدخل في نطاق خبرتي المباشرة ، وإنّما هي مستدلّة استقرائياً بتطبيق نظرية الاحتمال ، وفقاً للطريقة التي درسناها في البحث السابق . وهذا يعني : أنّ القضية يكفي ، لكي تصبح ذات معنى عندي ، أن يكون بإمكاني إثبات صدقها وكذبها ولو بصورة مستدلّة تعود في النهاية إلى خبرتي الخاصّة ، بدلًا عن إثباتها بخبرتي المباشرة نفسها . وعلى هذا الأساس تصبح كلّ قضية بالإمكان تحقيقها ولو استدلالياً ذات معنى . فالسببيّة بمفهومها العقلي الذي يستبطن الضرورة واللزوم ، وإن كنت لا أستطيع أن أثبت صدقها بالخبرة الحسّية المباشرة - لأنّها لا تدخل في نطاق الخبرة الحسّية - ولكنّي قد أستطيع أن أثبت صدقها بصورة مستدلّة وبطريقة استقرائية تعود في النهاية إلى خبرتي الخاصّة ، كما تقدّم في الفصل السابق ، ويكفي هذا لكي تكون ذات معنى . ورابعاً : نتساءل من جديد : هل المقياس في القضية التي لها معنى : تحقيقها صدقاً أو كذباً بالفعل ، أو إمكان تحقيقها . والافتراض الأوّل يعني : أنّ كلّ قضية غير محقّقة فعلًا صدقاً أو كذباً ليس